ولدي كم طال انتظاري

إهداء إلى كل محروم من نعمة الولد
إلى كل من اشتاقت نفسه إلى كلمة بابا أ و ماما
إلى أصحاب دموع الليالي وآهات تهز الجبالِ
أهدي لكم هذه القصة الواقعية التي لازمت أحداثها بنفسي لمدة اثنتي عشر سنة
فلعلها تخفف عن وطأة ما تعانون
بل ربما ترسم لكم الأمل من جديد

أخوكم ومحبكم / كرم مبارك
 


ولدي كم طال انتظاري

كانت دموعي تشق طريقها كالعادة في شقوق اعتادت عليها وعرفت مجراها على وجنتي ، وأنا مستلق على ظهري فوق سريري الحديدي في مساء يوم إجازة عن العمل المدرسي الشاق وحيداً بين جدران غرفة صغيرة في هذا البلد العربي الذي أعمل فيه بعيداً عن زوجتي وأهلي وأحبابي ..


آه كم أطلت النظر إلى هذا السقف المشقوق فوقي فبرغم الضوء الخافت إلا أني مازلت أرى بوضوح الشقوق التي حفظت مجراها والتي يتخللها قشرات لأصباغ قديمة تتساقط بين حين وآخر على سريري أما الجدران فمصبوغة بألوان الطيف المتداخلة مع بعضها وقد بدأ الملح يزحف إليها بفعل الرطوبة الدائمة حتى أصبح منظره مشمئزاً منفراً ..!!

ولكن ماذا أفعل فهكذا هي حياة العزّاب ..

فمنذ أن رجعت زوجتي إلى وطني قبل سنوات بأمر من الطبيب لكي تكون قريبة إلى تحقيق الأمل المنشود الذي يبدو أنه لن يأتي ، أصبحت وحيداً في هذه الغرفة الوحيدة الكئيبة في هذه العمارة المتهالكة بعد أن تركت الشقة التي كنا نعيش فيها وانتقلت إلى أفقر حي في هذه المدينة

وها أنا أزورهم في كل إجازة صيف ، في زيارة لا أتمناها بل أفضل الغربة عنها !!

كعادتي أنا مستلق على سريري والنوم يأبى إلا أن يعاندني ويجافي عيوني ، ونفس التساؤل يراودني ؟

هل من الممكن أن أرزق بمولود بعد خمسة عشر سنة من الزواج ؟!
وخاصة أن زوجتي تعدت الأربعين سنة وكادت أن تلامس سن اليأس في الإنجاب
أنه هاجس يطاردني ليل نهار ككابوس جاثم على صدري

استبدلت وضعية نومي عل وعسى أن يذهب عني هذا الكابوس ولكن هيهات ، فمن يعرفني يعرف أنه لم ينفك عني منذ السنة الثانية للزواج عندما تسلل هذا الهاجس إلى داخلي بعدما تزوج أخوتي وأصدقائي من بعد ثم أنجبوا

وهكذا تزوج أمة من القوم وأنجبوا أما أنا فقد كان مجرد عطف الناس علي وأسئلتهم المتكررة تقتلني عدة مرات قبل أن أعود إلى الحياة ثانية كجثة متحركة لا تمتلك من هذه الحياة سوى قلباً مازال فيه جبال من الأمل والرجاء
وقدمان تحملان هذه الجثة لتذهبان بها إلى العمل أو إلى المسجد ثم تعود
وعينان تزيدان من بؤسي عندما أنظر إلى الصغار يلعبون هنا وهناك وأسمع صرخاتهم وكأنها أعذب الألحان وأطربها ، ولكم تمنيت هذه الصرخات في بيتي تفسد علي هدوئي القاتل وتصم أذني اللتين لم تسمع إلى الآن كلمة \" أبي \"

لم تكن زوجتي المسكينة بأقل حالاً مني ولكن عزاءها أنها مازالت بين الأهل والأحباب في بلدنا يخففون عنها ألمها ويجبرون مصابها وخاصة إن آمالنا قبل أكثر من سنة قد لامست السحب بعد أن بُلِّغْنا إنها حامل ، ثم بعد أشهر تحطمت هذه الآمال وانكسرت على جبال اليأس فقد كان حملاً كاذباً !
هكذا يقال !!

حتى الحمل يكذب ؟!!
أتراه يسخر من جراحنا ؟!!
أم تراه يتلذذ بآهات البؤساء ودموعهم ؟!

كنا قد تكيفنا مع مصيبتنا لفترة من الوقت وغضّينا الطرف عن الإنجاب فقد أصبح بعيد المنال
وسكت الناس عنا ورفعنا الراية البيضاء ورضينا بالقدر

ولكن هذا الحمل الكاذب جدد الأوجاع ونكّل في الجروح وفتح المواجع ، حتى أصبحت هذه المآسي هاجساً يومياً مريعاً ...

تقتلني الوحدة هنا مع إنني من اختارها ، فقد كانت أعين الأهل والجيران والأصدقاء كأنها سهام تدخل في جسدي لتنتزع روحي ، ومن ثم تحولت النظرات إلى الهمز والغمز واللمز
فآثرتُ الهروب طلباً لراحة الجسد وأمان الألسن والنظرات وكذلك طلباً للمال الذي به يتجدد أمل الإنجاب وتفتح به أبواباً في مستشفيات في بلدي كانت مسدودة علينا نحن الفقراء ، فإذا بي أواجه عدواً جديداً وقاتلاً شرساً بطيئاً آخر يسمى \" الوحدة \"

حتى بت – أستغفر الله - أخشى سماع الآية \" المال والبنون زينة الحياة الدنيا \" أمام الناس ، لأنني بكل بساطة كنت أنهار وتسبقني العبرات وأفقد رباطة جأشي مع إنني دائماً أحاول أن أبدو قوياً راضياً بقدر الله تعالى غير مهتماً إلا بما قدره الله لي

هكذا كنت أمام الناس وهكذا كنت أوحي لهم وبهذا كنت أتمتم ، مع إنني في داخلي عكس ذلك تماماً

كانت كل قطعة في داخلي تبكي بل وتصرخ وتتساءل : أيأتي صباح يحمل إليّ خبراً سعيداً ؟!
أم سيأتي مساءٌ يحمل لي أمل جميلاً ؟؟

وكانت كأنها تجيب نفسها : بعد خمسة عشر سنة ألا تمل أو تكل يا رجل !!
انس يا محمود فليس لك نصيب في الذرية أبداً
كتب عليك أن تموت هكذا وينتهي أثرك
كتب عليك أن تعلم الأطفال وتحنو عليهم وتلاطفهم ولكن دون أن تسمع كلمة \" بابا \" !

ولم أنت قاسية في إجاباتك أيتها النفس ؟
تلطفي بي ، قولي شيئاً يسعدني أو اسكتي على الأقل !!
أو قولي لي اصبر وتجلد ولا تفقد الأمل
أو قولي انتظر فرج الله فإن عطاءه لا ولن ينقطع
قولي لي ما أجمل الصبر وما أجمل الثقة بالله العلي العظيم !

كانت اللحظات شبه السعيدة الوحيدة هي عندما تهاتفني زوجتي أو أهاتفها ولا نتطرق فيها إلى هذه القضية ..

كان الاتفاق بيننا ألا نتطرق إلى هذا الموضوع بتاتاً ، لأنها حتماً ستنتهي إلى البكاء وعدم إكمال الحديث

فكم كانت - أم أحمد - هكذا كنت أناديها منذ بداية زواجنا ولم أكن أدري أن أحمد لن يأتي - تحمل لي الأمل دائماً في مكالماتها

تارة تقول لي : لقد زار بلدنا طبيب عالمي وبشرني أن الحمل قريب

وتارة تقول : لقد رأت فلانة رؤيا وفسرها فلان على إننا سنرزق بمولود !

وتارة تقول : لقد قرأت في مجلة متخصصة أنهم وجدوا علاجاً للعقم وتأخر الإنجاب

كم كنت أتعذب وأنا أسمعها وهي تخفف عني وتريد إدخال السرور إلى نفسي في حين إني أعلم يقيناً إنها داخلياً منهارة أكثر مني وبمجرد أن تغلق الهاتف دوني ستنفجر في البكاء

كم أنت عظيمة يا أم أحمد ،تخففين عني في حين أنا من يجب أن يخفف عنك !
وتحملين همي وهمك معاً

لذا اتفقنا ألا نتطرق إلى هذا الحديث مطلقاً
ولكن هيهات فكل آمالنا وآلامنا تجمعت عند هذه النقطة
حتى صمتنا للحظات يوحي إنه صمت النداء ، نداء الفطرة ، فطرة حب الولد والذرية
ولكننا كنا كأننا نهرب من الجحيم إلى الجحيم

لم نترك طبيباً ، ولا حكيماً ، ولا راقياً ، ولا وسيلة تمكننا من الذرية إلا وطرقناها
ذهبت إلى العمرة ثم إلى الحج وهناك بكيت بكاءً مراً
كل كان يدعو غفران الذنوب إلا أنا كان دعائي مختلفاً

لو كانت أصوات النفوس تُسْمَع لبكي لدعائي كل الذاكرين و الطائفين
ولو كانت دعوات القلوب تفوح لغمرت رائحة حزني جميع الساجدين والراكعين ...

وهنا انتبهت وأنا على سريري فقد أخذتني الأحزان بعيداً
انتبهت وأنا أكثر عزيمة على ألا أترك لليأس سبيلاً عليّ يتحكم بي كيفما شاء

لك وحدك إلهي ألجأ ، نعم لك وحدك يا إلهي يجب أن أتجه بعد أن استنفذت جميع السبل
أنت الرجاء وإليك الملتجأ

قمت وتوضأت حاملاً في نفسي قوة عجيبة من الأمل وقلبي ينبض بشدة وكأني أسمع تلك النبضات تقول \" لك وحدك إلهي \"

لك وحدك إلهي ، ذاك كان دعائي يوم طفت بالبيت
كان تسليماً تاماً إني قد فوضت أمري إليك يا ربي بعد أن استنفذت جميع الأسباب فخذ بيدي يا رب

سجدت وأطلت في السجود ...
لك وحدك يا من تعلم سرى و علانيتي يا من تعلم كربي و همي
لك وحدك دعائي لك وحدك توسلاتي لك وحدك مناجاتي

إلهـــــــي و خالقي وخالق كل الكون لك الحمد و المجد و الكبرياء
إلهــــــي يا من أرجوك في السر والعلن و يا من أجاب نوحًا في قومه ، و نصر إبراهيم على أعدائه ، و رد يوسف إلى يعقوب ، وكشف ضرَّ أيوب ، يا من أجاب دعوةَ زكريا ، و قبل تسبيحَ يونس لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين ..

اللهم من اعتز بك فلن يذل، ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل، ومن استقوى بك فلن يضعف، ومن استغنى بك فلن يفتقر، ومن استنصر بك فلن يخذل، ومن استعان بك فلن يغلب، ومن توكل عليك فلن يخيب، ومن جعلك ملاذه فلن يضيع، ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم

اللهم أسألك ذرية صالحة وولداً تقر به عيني ، اللهم لقد طال انتظاري له فما أجمل عطاؤك ، وإني لعطائك منتظر ، فهل من عطاء يفرح عبدك الضعيف ويدخل السرور في قلبه والحبور في نفسه .............

دعوت ليلتها كأنني لم أدعو قط

وبين الدعاء والركوع والسجود والدموع نمت وأنا على سجادتي وبحالتي تلك

ولم أستيقظ إلا على جرس الباب
فتحت عيني يا إلهي الصباح قد انبلج والشمس في كبد السماء ويبدو إنني تأخرت عن حافلة المدرسة وأحد الزملاء جاء ليوقظني

فتحت الباب ويا لها من مفاجأة !! لم تكن في الحسبان

إنها أم أحمد زوجتي تحمل طفلاً جميلاً يبتسم

ذهلت من هول المفاجأة وانخرس لساني للحظات وأنا غير مصدق ما أرى

ما هذه المفاجأة يا أم أحمد ؟!! كيف وصلت إلى هنا ومن هذا الطفل ؟!!

قلتها بكل دهشة وأنا أنظر للطفل الجميل

- إنه أحمد يا محمود لقد أصبحت أباً أخيراً ، خذه يا محمود احضنه وقبله ......

مددت يدي لآخذه إلى حضني فإذا صوت جرس الهاتف يرتفع عالياً

وتختفي أم أحمد مع الطفل !

آه لقد كنت أحلم وأنا نائم على سجادتي ويا له من حلم جميل

لقد قطع علي الجرس هذا الحلم الجميل وهذه الرؤيا السعيدة

أسرعت إلى الهاتف ولكنه سكت
يبدو أنه أحد الزملاء ، فقد تأخرت عن المدرسة
ثم رن ثانية
نظرت إلى الرقم إنها أم أحمد زوجتي
خير؟ فليس من عادتها أن تتصل في هذا الوقت المبكر إلا لأمر هام!

قلقت بشدة وتسارعت دقات قلبي وأنا أرد

- السلام عليكم ، نعم يا أم أحمد ؟؟!!
- وعليكم السلام وصباح السرور والأفراح وخبر سعيد يا حبيبي

لقد كان صوتها مشبوباً بفرح غامر مما خفف عني ذلك القلق الذي اجتاحني فجأة ..

- أراكِ سعيدة خير يا أم أحمد
- كم ستعطيني إن قلت لك إني حامل حامل حامل يا محود

- حامل ؟! أم كالعادة حمل كاذب ؟!
- أنا في المستشفى يا حبيبي الآن ، حجزتني الطبيبة أمس الظهر، أشعر إن الأمر ليس كالعادة ، أنا أشعر به في داخلي يا محمود ، لم أستطع النوم طوال الليل حتى أخبرك ولم أشأ الاتصال بك ليلاً لعلمي إنك تنام مبكراً

- لقد سئمت من هذا يا أم أحمد ، في كل مرة يحجزونك لشهور ثم لا يكون إلا الألم والبؤس
عموماً إن خرج إلى الحياة فأخبريني لأعطيك ما تطلبين وقبلها أرجوك لا تقطعين قلبي وقلبك كالعادة

قلتها بيأس وحزن وأغلقت الهاتف والدموع تتساقط من عيني فدخلت إلى دورة المياه لأتوضأ وأصلي الفجر فقد ارتفعت الشمس و تأخرت عن العمل .

كنت في قرارة نفسي أتمنى أن يكون ما تقوله أم أحمد صحيحاً
ولكن خلال هذه السنوات الخمسة عشر كم وكم دخلت المستشفى !
وكم وكم قيل لها إنها حامل ومن بعدها كان العذاب والتعذيب !

ولم أعد أصدق الأطباء وما يقولون ، وأكثر ما كان يقطع قلبي أن تتصل بي أم أحمد بعد فترة لتقول لي إن الأمر انتهى وإنها عادت إلى المنزل خائبة بعد أن دفعنا الأموال الكثيرة وبذلت الوقت والجهد والصحة ...

لم تعد أم أحمد تلك المرأة التي تشع فرحة ودلالاً ، لم تعد بتلك النضارة والحيوية ، بل ذبلت كشجرة خضراء أسقطت أوراقها ثم أصبحت بعد مدة صفراء شاحبة

ولم يكن يصّبرها إلا إيمانها بالله و حبي الجارف لها ، ومع ذلك فقد كانت تحثني على الزواج مرة ثانية لعلي أرزق بمولود لي ولها وكنت أمازحها وأقول : أنا موافق سأتزوج عندما تنجبين
فترد : إذًا لن أنجب أبداً ...

كان يوماً جميلاً عندما استدعاني مدير مدرستي إلى مكتبه
كان من عادته إنه كان يتعاهدني بين حين وآخر بالسؤال عن أحوالي
فبرغم مشاغله الكثيرة ومسؤلياته الكبيرة إلا أنه كان لا ينساني
كان متعاطفاً معي جداً

عن نفسي كنت أحبه جداً واحترمه كل احترام لأنه وبكل اختصار \" إنسان \" بمعنى الكلمة

فبرغم حزمه وقوة شخصيته إلا أن طبيعته كانت سمحة طيبة ، يسأل عن الصغير والكبير ويقف بجانبهم في محنهم ويتلمس همومهم ، لم تكن علاقته مع الجميع علاقة إدارية فقط بل بجانب هذا كانت علاقة إنسانية من الدرجة الأولى
فبرغم إنني أكبر منه سناً كنا نشعر أمامه إننا أبناءه

كنت وبكل صراحة كلما أخرج من عنده أخرج بأمل جديد وقوة معنوية عالية تضل معي لفترة طويلة
بادرني مبتسماً :
- أستاذ محمود ستكون أباً قريباً إن شاء الله ، فإحساسي لا يخب
- أستاذي دائماً تشجعني وأنا أقدر لك هذه الروح الطيبة ، ولا أنسى ذلك اليوم الذي أخبرتني عن صديقك الذي أنجب بعد 7 سنوات كاملة

ولا عن الآخر الذي أنجب أيضاً بعد سنين وكيف إنك أرجعت إلى الأمل بهذه القصص الواقعية وجعلتني وزوجتي نعيد حساباتنا ثانية بعد أن كدنا أن نقتنع إن الأمر وصل إلى طريق مسدود وخاصة لما وصلنا إلى هذا العمر
- ولهذا استدعيتك يا عزيزي

أتتذكر سائق الحافلة الأردني الذي كان يعمل هنا ثم ترك العمل بعد فترة ، ربما لا تتذكره ولكنه أكبر منك عمراً وزوجته أكبر من زوجتك
- نعم ماذا حصل له ؟
- جاءني بالأمس يحمل سلة حلاوة ويكاد يطير فرحاً وأخذني بالأحضان طويلاً ، لقد أنجبت زوجته بعد 16 عاماً وسماها فاطمة
آه لو تقرأ الفرحة في عينيه يا محمود ، لقد أبلغته قصتك ، فقال : بلغه إن الله على كل شيء قدير
- بعد ستة عشر عاماً ؟!
- نعم بعد ستة عشر عاماً

- والله يا أستاذي لقد فتحت لي باب الأمل واسعاً بحديثك هذا بعد أن ضاق شيئاً فشيء
لقد أعدت إليّ روحي المشتتة في داخلي ، واستجمعت ابتسامتي المبعثرة في فمي ، واحتويت قلبي الممزق في أحشائي
نعم إن الله على كل شيء قدير

لم أستطع التغلب على قطرات الدموع التي كانت تتقاطر من عيني ولم أستطع النظر إلى عينيه السعيدتين لفرحتي

استأذنت سريعاً بإشارة من يدي فقد كدت أن أنفجر بكاءً في وجهه ،
وخرجت سريعاً وانزويت في زاوية بعيداً عن الأعين ولم أستطع المقاومة فقد غلبتني الدموع واهتز جسمي وانفجرت في البكاء طويلاً وكأني لم أبك من قبل !
ولكنها دموع لها طعم آخر إنها دموع عودة الأمل من جديد.....

ها أنا أعود إلى هذا المنزل الكئيب ولكن بأمل جديد
هل أخبر أم أحمد الرؤيا التي رأيتها هذا الصباح ؟ وهل أسعدها بما أخبرني عنه مديري ؟
أتذكر كم أسعدها خبر ذلك الرجل الذي أنجبت زوجته بعد سبع سنوات ، وكيف رسمنا يومها آمالاً كالجبال
لا أدري هل أخبرها الآن أم أخبرها في الصيف عندما ألتقي بها هناك في بلدي ، فعلى الأقل عندي ما أحمله لها من الأخبار السعيدة

آه تذكرت أنها في المستشفى الآن ، إذاً فلأخبرها عندما ترجع من المستشفى محطمة كالعادة من حملها الكاذب ، فساعتها من المناسب أن أخفف عنها بمثل هذه الأخبار

مرت الشهور كعادتها مملة فلا أنا مرتاح هنا ولا أنا سعيد بقرب الإجازة الصيفية
فالعودة إلى الوطن ليس لها ميزة ممتعة بالنسبة لي ولكني أؤديها كواجب حتمي ومع ذلك فقد قررت ألا أسافر هذه السنة ، فأم أحمد خرجت من المستشفى بعد سبعة أشهر من العناء وعادت إلى البيت دون ظهور تباشير أمل في الأفق ، والآن كما تقول تراجع كل أسبوعين ولكنني لا أجد في حديثها حماساً بل أشعر كأنها تخفي عني أمراً

وهذا الأمر أنا أعرفه جيداً المسكينة تحاول التخفيف عني ولا تريد مواجهتي وإخباري أن الحمل فشل مرة أخرى لعلمها إني مشغول هذه الأيام في الاختبارات النهائية للطلاب ولا تريد أن تزيد همي همًا آخر
لذا كانت تتجنب الحديث عن أمر الإنجاب أو الحمل وكنت أفضّل هذا ، لذا فعدم النزول إلى البلد هذه السنة قرار صائب بالنسبة لي لأنها ستكون مأساوية ولكن لن أخبرها إلا عندما تقترب الإجازة وأضعها أمام أمر الواقع .

كنت في الصف الدراسي عندما اهتز هاتفي في جيبي فلم اعره اهتماماً ، حيث أنه لم يبق من وقت الحصة إلا القليل ، وكنت جالساً أقضي هذا الوقت في الحديث الودي مع طلابي الصغار ، ولم تكن من عادتي أن أرد على الهاتف في الصف مطلقاً
ولكن الهاتف عاود الاهتزاز ثانية ثم ثالثة فرابعة فنظرت إلى الرقم فإذا هو رقم زوجتي أم احمد !!
لم يكن تلك من عاداتها ، فهي تعلم إنني الآن في الحصة الدراسية وتحفظ أوقات راحتي وعملي ولكن هذا الإلحاح من الهاتف يقلق جداً ، هل حصل شيء لأحد من أهلي
بدأ القلق يتسرب إلى قلبي ...!
جاءت رسالة سريعة منها ، قرأتها \" أرجوك رد على الهاتف ضروري \"
ثم بعدها مباشرة اهتز الهاتف ولا شعورياً رددت وقلبي قلق جداً
- السلام عليكم
- محمود ... قالتها أم أحمد وهي تصرخ
وكأن قلبي سقط في بطني لدى سماعي صرختها فقد كنت أتوقع أمراً سيئاً
أعادت الصراخ ثانية وأنا أسمع ضجيجاً حولها وأصوات عالية كثيرة لذا لم يكن صوتها واضحاً وهي تقول :
- محمود حبيبي أحمد وصل !

- ماذا تقولين لم أسمعك جيداً ... أي أحمد ؟!
- أحمد ابنك وصل والله وصل ، وها هو في حضني
- أحمد ابني ، أي ابن ؟!! لا تمزحين معي يا أم أحمد !!
- صدقني والله لا أمزح ... خذ تكلم مع أختك سلمى
- نعم يا محمود ، الله رزقك ولداً هذا الصباح .... قالتها سلمى وهي تبكي سعادة
- سلمى ، أخشى أن أكون في حلم ، ماذا تقولين قوليها ثانية
- أنت لا تحلم يا أخي بل هي الحقيقة ، زوجتك رزقت بولد هذا الصباح ، لقد أصبحت أباً يا أخي أخيراً
- أباً ، أنا ؟!! بعد خمسة عشر سنة ؟!!

لم أشعر إلا وأنا أهوي على الأرض ساجداً حمداً وشكراً لله رب العالمين
ولم انتبه أن الطلاب يراقبون ويسمعون ما يجري من الحديث فجلست على الكرسي لا تحملني قدماي
كان قلبي يدق بشدة ، و الدموع تغمر عينيّ ولكنها لم تسقط بعد ، حاولت أن أتماسك أمام طلابي وغطيت وجهي بيديّ لكي لا يروا دموعي
ولكن سؤال أحد طلابي كان قاصمة ظهر ، حين قال :
- أأنت تبكي يا أستاذ ؟!!

حينها لم أستطع أن أتمالك نفسي فانفجرت في بكاء ونشيج متواصل وجسدي كله يهتز كأنه يتراقص مع قطرات الدموع التي تنزل على شاربي ولحيتي

ثم خرجت إلى ساحة المدرسة أركض كالمجنون أحضن كل من يقابلني وأنا أصرخ لقد أصبحت أباً لقد أصبحت أباً ......

\" تمت \"






















قبل ان نتطرق الى طرق المعالجة علينا ان نشخص الحالة ومعرفة السبب. و سوف نبين طرق المعالجة عند المرأة والرجل. محتويات ١ علاج المرأة ٢ التلقيح الصناعي ٣ دواعي استعمال التلقيح الصناعي ٤ علاج الرجل ٥ فيديو عن علاج العقم عند الرجال علاج المرأة 1. اذا كان السبب هو نقص في الهرمونات وهو ناتج عن خلل في افرازات الغدة النخامية لهذه الهرمونات فيكون العلاج هو اعطاء الهرمونات بديلة تساعد على تحفيز الاباضة وتكوين بويضات للمساعدة على الحمل. 2. اما اذا كان هناك ضعف بالاباضة وكثيرا ما يكون نتيجة تكيس المبايض فانه يمكن معالجة ذلك بواسطة العلاج الهرموني لتحريض الاباضة وباستعمال جهاز الموجات فوق الصوتية يمكن التحكم في وقت الاباضة لتكون امكانية الاخصاب في الوقت المناسب اكبر. ان المتابعة بواسطة هذا الجهاز الـUltrasound يتم بواسطة فحص حجم البويضة وفي الوقت الذي يصبح فيه عدد البويضات وحجمها مناسبا تعطي هرمون اخر لتساعد على انزال البويضة في وقت محدد لتحديد موعد الجماع او لتحديد الوقت والساعة المناسبة لتحديد موعد عملية الحقن الصناعي داخل الرحم. التلقيح الصناعي التلقيح الصناعي داخل الرحم فهو كثير ما تسمع به المرأة كأحدى الطرق المساعدة على الانجاب فهو عبارة عن نقل الحيوانات المنوية بعد تنقيتها وتركيزها في المختبر. وهنا يتم وقت الاباضة الذي نحدده كما ذكرت عن طريق جهاز الموجات فوق الصوتية، يتم بعدها حقن السائل المنوي داخل الرحم عن طريق عنق الرحم بواسطة انبوب صغير، انها عملية صغيرة ولا داعي للخوف. دواعي استعمال التلقيح الصناعي 1. عدم انتظام عملية التبويض عند المرأة وخصوصا تكيس المبايض. 2. او في مرض البطانة الرحمية التي تكلمت عنه. 3. او عن وجود خلل بسيط في السائل المنوي اما بالعدد او الحركة او الشكل او اللزوجة. 4. او عن وجود اجسام مضادة في عنق الرحم. 5. عند عدم تمكننا من وجود سبب واضح للعقم. اما بالنسبة العلاج الجراحي فقد ذكرنا في مقالات سابقة عن اهمية قنوات فالوب وشددت على اهمية كونهما مفتوحتين وسليمتين وعدم وجود التصاقات حولهما وعن اهمية وجود بطانة الرحم سليمة وخالية من اي التصاقات أو لحميات او أورام ليفية. فالتدخل الجراحي ضروري في حالة وجود التصاقات بسيطة تؤخر التقاط البويضة من قبل اهداب قناة فالوب. الافضل هنا استعمال المنظار البطني لاذابة هذه الالتصاقات بدل التدخل عن طريق فتح البطن، اما اذا وجدت التصاقات او لحميات داخل التجويف الرحمي فان التدخل يكون باستعمال المنظار الرحمي وهو جهاز يتيح لنا النظر الى داخل الرحم مباشرة. اما اذا كانت قناتا فالوب مسدودتين او تالفتين او كانت الالتصاقات كبيرة وسميكة لدرجة يصعب ازالتها، فانه من واجبنا ان نفكر باسداء النصيحة للزوجين للخضوع الى برامج اطفال الانابيب او الاخصاب خارج الجسم وهذا موضوع يحتاج الى الكثير وسنتكلم عليه المقالة القادمة. علاج الرجل قلنا ان فحص السائل المنوي وفحص الهرمونات مثل FSH, LH, PRL, Test. لهم الاهمية القصوى في تحديد مدى قدرة الرجل على الانجاب. فلنبدأ بالعلاج الطبي: اذا كان هناك خللا في عدد او حركة او شكل الحيوانات المنوية فان دور العلاج الطبي (اعني بواسطة الادوية) وللاسف دور محدود فلم تثبت الابحاث نتائج ايجابية عند المعالجة بالهرمونات او بادوية اخرى. هناك حالة واحدة يمكن الاستفادة منها عند وجود نقص في افراز هذه الهرمونات، طبعا علينا ان لا نهمل باعطاء المضادات الحيوية في حالات التهابات الجهاز التناسلي. هناك دور للعلاج الجراحي عند الرجل ومن ضمنها اجراء عملية لاصلاح دوالي الخصية. كما قلت من قبل فان مدى نجاح عملية الدوالي في تحسين العدد ونوعية الحيوانات المنوية لا زالت غير مشجعة، وعلي ان اشير هنا الى ان الكثير من الرجال الذين انجبوا مصابين بدوالي الخصية وهذا يدل على ان العملية بحد ذاتها ليست ضرورية في كثير من الحالات. في حالة انسداد الحبل المنوي او انسداد البربخ فهناك عمليات جراحية دقيقة تجرى لاعادة التوصيل لكن للاسف نجاحها محدود. فعلينا ان نعرف ان التطور الكبير الذي حصل بالنسبة لعقم الرجال هو استطاعتنا بسحب الحيوانات المنوية من البربخ او من الخصية واجراء عملية الحقن المجهري للبويضة في حالات عدم وجود حيوان منوي في السائل، فبواسطة هذه الطريقة استطعنا ان نصل الى حلول لمعظم المشاكل الخاصة بالرجل. فهكذا نرى ان طرق المعالجة عند الرجل او المرأة اصبحت في متناول اليد وتحول العديد من جوانب العقم المجهولة الى واقع يمكن التعامل معه بسهولة اكبر.

















لا تحزني

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله... أما بعد:

أختاه.. يا من تملّك الحزن قلبها.. وكتم الهمّ نفسها.. وضيّق صدرها.. فتكدرت بها الأحوال.. وأظلمت أمامها الآمال.. فضاقت عليها الحياة على سعتها.. وضاقت بها نفسها وأيامها.. وساعتها وأنفاسها !

لا تحزني.. فما الحزن للأكدار علاج.. لا تيأسي فاليأس يعكر المزاج.. والأمل قد لاح من كل فج بل فجاج !

لا تحزني.. فالبلوى تمحيص.. والمصيبة بإذن الله اختبار.. والنازلة امتحان.. وعند الامتحان يعز المرء أو يهان !

فالله ينعم بالبلوى يمحصنا *** من منا يرضى أو يضطربُ

ماذا عساه أن يكون سبب حزنك؟ ! إن يكن سببه مرض.. فهو لك خير.. وعاقبته الشفاء.. قال : { من يرد الله به خيراً يصب منه }، وقال الله جل وعلا: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين } [الشعراء:80].

وإن يكن سبب حزنك ذنب اقترفته أو خطيئة فتأملي خطاب مولاك الذي هو أرحم بك من نفسك: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } [الزمر:53].

وإن يكن سبب حزنك ظلم حلّ بك من زوج أو قريب أو بعيد، فقد وعدك الله بالنصر ووعد ظالمك بالخذلان والذل. فقال تعالى: { وَاللّهُ لاً يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [آل عمران:140]، وقال تعالى في الحديث القدسي للمظلوم: { وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين }.

وقال سبحانه: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [المجادلة:1].

وإن يكن سبب حزنك الفقر والحاجة، فاصبري وأبشري.. قال الله تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } [البقرة:155].

وإن يكن سبب حزنك انعدام أو قلة الولد، فلست أول من يعدم الولد، ولست مسؤولة عن خلقه.

قال تعالى: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً}  [الشورى:50،49].

فهل أنت من شاء العقم؟ أم الله الذي جعلك بمشيئته كذلك ! وهل لك لأن تعترضي على حكم الله ومشيئته ! أو هل لزوجك أو سواه أن يلومك على ذلك.. إنه إن فعل كان معترضاً على الله لا عليك ومغالباً لحكم الله ومعقباً عليه..

فعلام الحزن إذن والأمر كله لله !

لا تحزني.. مهما بلغ بك البلاء ! وتذكري أن ما يجري لك أقدار وقضاء يسري.. وأن الليل وإن طال فلا بد من الفجر !

وإليك أختي المسلمة.. كلمات نيرة تدفعين بها الهموم.. انتقيتها لك من مشكاة النبوة لننير لك الطريق.. وتكشف عنك بإذن الله الأحزان.

أولاً: كوني إبنة يومك

اجعلي شعارك في الحياة:
ما مضى فات والمؤمل غيبُ *** ولك الساعة التي أنت فيها
وأحسن منه وأجمل قول ابن عمر رضي الله عنه: ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك )[رواه البخاري].

إنسي الماضي مهما كان أمره، انسيه بأحزانه وأتراحه، فتذكره لا يفيد في علاج الأوجاع شيئاً وإنما ينكد على يومك، ويزيدك هموماً على همومك. تصوري دائمك أنك وسط بين زمنين:

الأول: ماض وهو وقت فات بكل مفرداته وحلوه ومره، وفواته يعني بالتحديد عدمه فلم يعد له وجود في الواقع وإنما وجوده منحصر في ذهنك.. ذهنك فقط ! وما دام ليس له وجود.. فهو لا يستحق أن يكون في قاموس الهموم.. لأنه انتهى وانقضى.. وتولى ومضى !

والثاني: مستقبل وهو غيب مجهول لا تحكمه قوانين الفكر ولا تخمينات العقل.. وإنما هو غيب موغل في الغموض والسرية بحيث لا يدرك كنهه أحد.. { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } [النمل:65]، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34].

إذاً فالماضي عدم.. والمستقبل غيب !

فلا تحطمي فؤادك بأحزان ولّت.. ولا تتشاءمي بأفكار ما أحلت ! وعيشي حياتك لحظة.. لحظة.. وساعة ساعة.. ويوماً بيوم !

تجاهلي الماضي.. وارمِ ما وقع فيه في سراب النسيان.. وامسحي من صفات ذكرياتك الهموم والأحزان.. ثم تجاهلي ما يخبئه الغد.. وتفائلي فيه بالأفراح.. ولا تعبري جسراً حتى تقفي عليه.

تأملي كيف استعاذ النبي من الهم والحزن إذ قال: { اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وقهر الدين وغلبة الرجال } [رواه البخاري ومسلم].

فالحزن يكون على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها.. والهم يكون بسبب الخوف من المستقبل والتشاؤم فيه.

أختي المسلمة.. يومك يومك تسعدي.. أشغلي فيه نفسك بالأعمال النافعة.. واجتهدي في لحظاته بالصلاح والإصلاح.. استثمري فيه لحظاتك في الصلاة.. في ذكر الله.. في قراءة القرآن.. في طلب العلم.. في التشاغل بالخير.. في معروف تجدينه يوم العرض على الله.. { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً } [آل عمران:30].

ثانياً: تعبدي الله بالرضى
لا تحزني.. اجعلي شعارك عند وقوع البلاء: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها.. اهتفي بهذه الكلمات عند أول صدمة.. تنقلب في حقك البلية.. مزية.. والمحنة منحة.. والهلكة عطاء وبركة !

تأملي في أدب البلاء في هذه الآية: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [البقرة:155-157].

استرجعي عند الجوع والفقر.. وعند الحاجة والفاقة.. وعند المرض والمصيبة.. وأبشري بالرحمة من الله وحده !

ثالثاً: افقهي سر البلاءلا تحزني.. فالبلاء جزء لا يتجزء من الحياة.. لا يخلو منه.. غني ولا فقير.. ولا ملك ولا مملوك.. ولا نبي مرسل.. ولا عظيم مبجل.. فالناس مشتركون في وقوعه.. ومختلفون في كيفياته ودرجاته.. { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } [البلد:4].

طبعت على كدر وأنت تريدها *** خالية من الأنكاد والأكدار

هكذا الحياة خلقت مجالاً للبلاء.. { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [الملك:2].. { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ }[محمد:31].. إذن فسر البلاء هو التمحيص ليعلم المجاهد فيأجر.. والصابر فيثاب !

لا تحزني.. واستشعري في كل بلاء أنك رشحت لامتحان من الله !.. تثبتي وتأملي وتمالكي وهدئي الأعصاب.. وكأن منادياً يقول لك في خفاء هامساً ومذكراً: أنت الآن في إمتحان جديد.. فاحذري الفشل.

تأملي قوله : { من يرد الله به خيراً يفقه في الدين } [رواه البخاري]، ثم قوله : { من يرد الله به خيراً يصب منه } [رواه البخاري].

فطالب العلم.. والمبتلي بالمصائب يشتركان في خير أراده الله لهما.. وهذا أمر في غاية الأهمية فقهه !

فكما أن العلم شرف.. يريده الله لمن يحب من عباده ! فكذلك البلاء شرف يريده الله لمن يحب من عباده ! يغفر به ذنباً.. ويفرج به كرباً.. ويمحي به عيباً.. ويحدث بعده أمراً لم يكن في الحسبان.

{ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } [الطلاق:1]، وفي الحديث: { إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط } [رواه البخاري].

رابعاً: لا تقلقيالمريض سيشفى.. والغائب سيعود.. والمحزون سيفرح.. والكرب سيرفع.. والضائقة ستزول.. وهذا وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد.. { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً } [الشرح:6،5].

لا تحزني.. فإنما كرر الله اليُسْر في الآية.. ليطمئن قلبك.. وينشرح صدرك.. وقال : { لن يغلب عُسر يُسرين }.. العسِير يعقبة اليُسر.. كما الليل يعقبة الفجر..
ولرب ضائقة يضيق بها الفتى *** وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فُرجت وكنت أظنها لا تُفرج
خامساً: اجعلي همك في اللهأُخية.. إذا اشتدت عليك هموم الأرض.. فاجعلي همك في السماء.. ففي الحديث: { من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد، كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك } [صحيح الجامع: 6189].

لا تحزني.. فرزقك مقسوم.. وقدرك محسوم.. وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم.. لأنها كلها إلى زوال.. { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [الحديد20].

إذا آوى إليك الهم.. فأوي به إلى الله.. والهجي بذكره: ( الله الله ربي لا أشرك به أحداً )، ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث )، ( رب إني مغلوب فانتصر )، فكلها أورد شرعية يُغفر بها الذنب ويَنفرج بها الكرب.

اطلبي السكينة في كثرة الإستغفار.. استغفري بصدق مرة ومرتين ومائة ومائتين وألف.. دون تحديد متلذذة بحلاوة الاستغفار.. ونشوة التوبة والإنابة.. { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222].

اطلبي الطمأنينة في الأذكار بالتسبيح، والتهليل، والصلاة على النبي الأمين ، وتلاوة القرآن، { أَلاً بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].. { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } [الإسراء:82]..

لا تحزني.. وافزعي إلى الله بالدعاء.. لا تعجزي ففي الحديث { أعجز الناس من عجز عن الدعاء } تضرعي إلى الله في ظلم الليالي.. وأدبار الصلوات.. اختلي بنفسك في قعر بيتك شاكيةً إليه.. باكيةً لديه.. سائلةً فَرَجُه ونَصره وفتحه.. وألحِّي عليه.. مرة واثنتين وعشراً فهو يحب المُلحين في الدعاء.. { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [البقرة:186].

لا تحزني ولا تيأسي.. { إِنَّهُ لاً يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ  }[يوسف:87].

ستنجلي الظلمة.. وتولِّ الغمة.. وتعود البسمة.. فافرشي لها فراش الصبر.. وهاتفيها بالدعاء والذكر.. وظني بالله خيراً.. يكن عند حسن ظنك..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.